قصة شاب لا إسم له
شد على سيجارة ملغمة بالحشيش بين السبابة والوسطى، ارتجفت يده قليلا حين رفعها نحو الفم، التقت شفتاه بالعقب في قبلة حارقة ∙ حارقة لكنها لذيذة ∙ لذيذة لكنها مسروقة∙∙∙وقف على الرجل اليمنى بينما أسند اليسرى الى الجدار . شعر لوهلة ان الجدار̨ هو سنده الوحيد في هذه الدنيا . نظر حواليه , هل من أحد يراه , يشي به عند أبيه ؟ يعلم ان الحارة مليئة بالنمامين الذين يستغرقون نهاراتهم وسهراتهم في فلان فعل وعلان لم يفعل , وهم لا يفعلون . تذكر رنة الصفعات ووقع الركلات . وكبرت أمامه صورة أبيه وهو مكفهر̨ , لا يستطيع الى الفرح سبيلا . يسب , يلعن , بسبب أو بلا سبب . .
أبوه ذو ملامح عابسة وله نبرة صوت تنم عن غضب عارم ومستمر . إيمانه القوي بالعنف يفسر مدى تعرضه لممارسات عنفية شديدة خلال مراحل ما من حياته . عنفته الأسرة , عنفه المجتمع , عنفته الدولة , فكان رده بنفس الأسلوب̨ , منتقما بلا رحمة , معنفا الأسرة , معنفا المجتمع , معنفا الدولة . الدولة عندما لا تحتوي مواطنها وتعتبره إبنا شرعيا ومسؤولا منها منذ ولادته الى مماته , تحميه وتتبنى قضاياه فاردة أجنحتها حوله , وعندما ترميه كريشة في مهب الريح̨ , يواجه الجهل والمرض والقلق الدائم على لقمة العيش , وهو ثمة مشروع بشري قائم على أسس الطفولة المشردة , كائن عشوائي يفعل القدر فيه ما يشاء .
حين تفعل الدولة كل هذا , بكل بساطة , بهذا المواطن , فبنفس البساطة يأتي رد الفعل بالعنف والإنتقام . ويكون المستقبل بالنسبة إليه وحشا غامضا ومخيفا . امتص اللفافة من بين اصابعه مثلما يفعل العنكبوت بفريسته . زفر بقهر , ثم رمى العقب على التراب . قال في سره :«الأعقاب البشرية تدعس بهذه الطريقة!» فكر هكذا̨ , وهو يسحق ما تبقى من السيجارة بحذائه . عبر الشارع . لا وجهة له . إنه مثل ورقة تحملها الريح الى هامش الرصيف . قد تأتي ريح أخرى وتقذف بها الى الرصيف الآخر . لا سلطة له على نفسه . الرأي الفلسفي القائل بألوهية العقل داخل الجسد رأي مفند في عقله . عقله مزبلة لأطروحات البروج العالية هذه . وعلى مثل هؤلاء المفكرين المتعجرفين أن يكونوا حبات في فاه الطاحونة مع المطحونين . وعلى الفكرة أن تولد من بطن التجربة . شعر بإحباط يشل حركته وتفكيره , وأحس بعقله مسجونا ومحكوما بالسجن المؤبد . تحسس جيوبه , ما تزال فيها بعض السجائر . أردف بصوت مسموع : « دعها للظروف والأقدار . كيفما تريد أن تأت , فلتأت∙∙∙» قال هذا الكلام لنفسه̨ , ثم أكمل طريقه بلا أن يدرك من أين يمضي . في البيت ثمة وجوه اعتلاها الغضب والعبوس.
وجوه ذات ملامح حادة , قاسية , منحوتة بالهم والغم . بيت قديم ضيق استوطنته الرطوبة وعافته أشعة الشمس , لا يصلح كمأوى إلا للجرذان. الفقر المدقع لابث عند عتبة الباب لا يتزحزح . الحي الذي يتواجد فيه تسميه عامة الناس بحي البؤس . بئيس هذا الجانب من البلدة فعلا بمنازله المتآكلة , وبمزابله المترامية وبتدفق الواد الحار في كل ممر من ممراته . السكان هنا أشقياء يتجرعون المعاناة , يعيشون أيامهم بأيامهم آملين التغيير.
لكن , أين هي السواعد التي تعمل في سبيل الأفضلية ؟!. ماتت أكتافهم بفعل تناولهم لكل أصناف المخدرات , واختبأوا في أشباه المهن. دخل إلى البيت . رائحة معتادة تأتي من طاجين البطاطس . جلس يتأمل صورة معلقة , إطارها نحاسي : صورة جده أيام كان في جيش محمد بن عبد الكريم . يبدو رجلا طويلا عريضا واقفا وقفة عسكرية مهيبة بجلباب جبلي قصير , يرفع بندقيته بكل ثقة وصرامة . هذه البندقية يعرفها لأنها ما يزال أبوه محتفظا بها وهي كل ما ورثه عن جده المجاهد . في السنوات الأولى , بعد وفاة الجد , كان الورثة يولون هذا السلاح الحربي البدائي الذي أزهق , في نظرهم , أرواح الكفار المستعمرين , عناية فائقة . يمسحون عنه الغبار ويطلقون عيارات تجريبية , ويحملونه بين أذرعهم مثل طفل صغير… أما الآن فلم يعد يذكر! .
أيقن الجميع تماما بعدم قيمته سوى الذكرى التي يمثلها , الى درجة أن أحد الأعمام تجرأ ذات مرة , أخذ البندقية ورماها على الأرض بحقارة قائلا بمرارة : « أبي رحمة الله عليه , كان مخطئا في جهاده ضد المستعمر. يعلم الله , كيف ستكون أحوالنا لو بقي الإسبان على هذه الأرض الجبلية اللعينة . أكيد ستكون أفضل مما نحن عليه اليوم…» وصل بهذا العم الشقاء والعجز أمام الإكراهات الحياتية إلى حد أن يتفوه بمثل هذا الكلام الممسوخ . كيف يعقل هذا ؟!∙ « بل يعقل نعم يعقل…» أردف حفيد المجاهد وهو يهز رأسه في أسف : « استشهد جدي من أجل استقلال هذا الوطن . أعطى أثمن ما يمكن عطاؤه وهو الحياة . فما كان من هذا الوطن إلا أن يجافينا وينبذنا ويطردنا خارج حضنه… وما نزال نتجرع الموت على شاكلة أخرى . نموت جوعا , فقرا , جهلا , كدحا ,مرضا , كل يوم . » ثم وهو ما يزال يهز رأسه المثقل : « في زمن جدي كان العدو واضحا في هيئة عصابة إمبريالية باحثة عن الثروات , أما اليوم̨ فإن العدو متخف تماما وراء أقنعة حقوقية وقانونية يمسد رؤوسنا بيد , ويقتلنا بيد أخرى . فهل تستطيع بندقية جدي , محاربة عناوين فتاكة جبارة مثل الظلم والتهميش والفقر وهي مقنعة بعنوان جميل " الانسانية " . شعر بعجز وبشلل يدب في جميع أطرافه , وبرائحة البطاطس تتغلغل في جيوب أنفه , وتتسلل الى حلقه فتصيبه بغثيان مقرف .
سأل والدته باستنكار : « - لماذا ضربني هذا الصباح ؟ .ماذا فعلت ؟ , لقد ركلني في أمعائي ; آه لو يحنو علي مرة ويقتلني لكي أرتاح منكم ..» لا يستطيع أن بنطق كلمة «ابي» أو «بابا» يبقى الأب في ذهنه مجرد ضمير مستتر تقديره هو . أجابته الأم المغلوبة على أمرها مقاطعة سؤاله اليائس : - إنك تدخن الحشيش , يا ابن الحرام ! . - ومن قال أني أدخن؟ - فضحك الذين تراودهم في المقهى . وشى بك رجل عند أبيك . - رجل ؟! , قال باستنكار . ومن هو هذا الرجل « بالسلامة » ؟ لو كان فعلا رجلا لما كانت من خصاله القعاد طوال النهار يفتح ويطوي في ملفات عباد الله . -وماهي صفات الرجال في رأيك يا إبن هذه البطن (تدق بقوة على بطنها) ؟. - العمل , نعم العمل ولا شيء غيرالعمل . - ولماذا لا تبحث عن العمل أنت يا رجل , يا سيد الرجال , أم أن ما بين رجليك ليس من صفات الرجال؟!∙ هذا ما قالته حاسمة النظر الى المكان المقصود به الكلام دون أن تخجل . هو في نظرها ليس أهلا للخجل . ستخجل منه في حالة واحدة , إذا شمر عن ساعديه , ورماها بالأوراق المالية بدلا عن رميها بالكلام المسوس . لا بد من تمليح الكلام بالفلوس وإلا فلن يفوز باحترامها أبدا . وهل هو يحترمها ؟ إنه يكيل لها أقدح الكلام خاصة إذا طلب منها مبلغا ورفضت . - من أين لي أن أعطيك ؟, هل من تحت إبطي أم من تحت اخر ؟. يا ابن الكلب . يا ابن كذا… لا تحترمه البتة . أما هو فلا يحترمها البتتين . يرد ساخرا : - زوجك كلب ؟ - لا يستطيع قول أبي - ومن يتزوج في رأيك من الكلاب ؟!. أما إذا فتح « أبوه » الباب , فإنه يأخذ فردتي حذائه , ويجري خارجا ناظرا الى الأرض , ليس احتراما هذه المرة , ولكن خوفا من عنفه الذي يصل حد التعليق من القدمين , وفي أقل الحالات يصل الى الضرب المبرح.
الشارع أرحم . رغم أنه لا يرحم . على الإنسان أن يرحم نفسه بنفسه ,أن يقدم لنفسه كل ما يقدر عليه من مساعدة ودعم وتضحية بنفسه . أن لا ينتظر من أحد شيئا . كأن يبادر الى التكوين الذاتي , إن على المستوى المهني أو النفسي أو الأخلاقي , أما على المستوى الثقافي فعليه أن يسلم عقله لكل الثقافات دون أن يستسلم لثقافة مستلبة . الإستيلاب الثقافي هو الطريق الصحيح صوب التطرف. يعبر الناس الشارع كدرين ومنزعجين . وضحكهم لا يطلع من أعماقهم . إنما مجرد صوت فموي وفتحة شفاه تكشف عن أسنان مسوسة . سوسها الخبز والشاي . دخن لغما . مرت حذاءه تفاحة بشرية يتمنى لو يقطفها , لو يعض ولو قضمة صغيرة . لو يجعل منها عصيرا . يعصرها بطريقته الوقحة . طرقه في الحياة كلها غير شرعية . مرت التفاحة غير آبهة تحدث بالكعبين زلزالا في رأسه . يشعر بها وهي تتسرب مع خيوط الدخان الى تجاويف المخ . كيف له أن يجني , أن يقطف , أن يغازل , أن يقول كلمة غزل في حق هذه الأنثى التفاحية اللذيذة والمرة في نفس الوقت . لذيذة لأنه يكتشف بسرعة أن حلمه سراب قاتل . مسكين . مسكين . نظر الى يديه . رفعهما قرب عينيه . وجدهما صلبتين باردتين كأنهما يدي ميت . حاول أن ينقل الدفئ من يد الى أخرى فوجدها لا تستجيب . إنها خارجة عن تغطية مشاعره ! . تمتم في سره : « ومن أكون أنا لكي تكون لدي مشاعر وأحاسيس؟ » . إن مثل هذا الكلام العاطفي غير وارد في قاموسه . شعر برغبة في البكاء على نفسه , على الأقل ينعي هذه الأعضاء التي لا تستجيب لنداءاته , لا تتعاطف مع حالته المزرية .
إنها ميتة ولا حياة لمن تنادي , لكن عينيه أيضا خذلتاه رافضتين البكاء , لا وجود لأي ماء فيهما . ريح خفيفة مداعبة تدفع أوراق الدفاتر في اتجاه هبوبها . فكر لوهلة : الشارع سلة مهملات للبشر كما للأوراق , وإني لورقة بشرية تقذف بها ركلة الريح أين تشاء . ا إن رياح الظروف الإجتماعية عاصفية. ثم قال في نفسه : أنا إبنك أيها المجتمع ! سمع صوتا رنانا قاسيا : إني بريء منك , أنت ثمة مسخوط اجتماعي , سوف أبقيك على هامشي ولا يمكن لك أن تنخرط في داخلي . نخزه صوت المجتمع نخزة صدرية مؤلمة. الريح تكنس الشارع كي يسقط المطر الخفيف الممهد للمطر الغزير . أين وجهته الان ؟ لا مطرية عنده. لا سقف عنده , ولا جناح أم̨ ولا جناح أب . دخن آخر جرعة من اللغم ∙ يحبذ أن يدع العقب بين أصابعه لكي يشعر بألم الكي . يحب أن توقظه هذه اللسعة من أحلام كم يتمنى تحقيقها . لما لا يستطيع يتناول الحشيش كي يراها في خياله . ومن بين ما يراه فتاة غنوج تدغدغ مشاعره المحرومة . تحضنه بقوة . تكسر ضلوعه من شدة الإحتضان . وتصفعه صفعة قوية كي يستيقظ على واقع الحرمان المزمن. لا يتذكر ولو مرة حضنه أحد . لم يحتضنه أحد منذ ولد الى الآن . في حارة البؤس̨ البشر كثير . الرزق قليل . علاقة البشر بالرزق علاقة سماوية تواكلية ∙ لم تكن مرة علاقة صناعية عملية انتاجية . عندما توبخ امرأة ولود على كثرة الأولاد , يكون جوابها جاهزا لا يحتاج الى تفكيره . « يولد المولود ومعه رزقه الواسع ! » طالما فكر في هذا الرزق الواسع أين هو ؟ أين يختبأ؟ والأطفال يراهم في الشوارع ضائعين , في أوساخهم غارقين . يفتقرون الى أبسط حقوقهم ∙ يلعبون وسط الأزبال وبين سيول الماء الحار . لا يعافون , تمتد أيديهم الى أغراض مرمية في القمامات يتخذون منها أدوات للعب . يستغرقون النهارات في الركض والضياع داخل الحارات المنسية ∙ يعتقدون أنهم يلعبون أحسن الألعاب وهم مستمتعين فعلا الى أن تسكنهم الأمراض المزمنة , حينها يدركون حقيقة واقعهم بعد فوات الأوان وقد لا يدركون . أسرهم فقيرة جدا . فقرها فقران : المالي والمعنوي ∙ وكثير من الأبناء الصغار يتحملون عبأ هذه الأسر الممتدة من عائلات لا أملاك لها ولا أراضي ∙ حتى السكن لا تمتلكه فقط تكتريه , اكتراه الجد , اكتراه الإبن سوف يكتريه الحفيد , وهكذا يتقادم البيت ويتحول الى شبه خرابة . يسكنها هؤلاء الصغار الذين لا تتجاوز اعمارهم عمر الطفولة , الذين يبتكرون لأنفسهم مهنا تجارية غريبة : يبيعون السجائر , المناديل , البيض , المتلاشيات , يبيعون كل شيء ويبيعون مؤخراتهم أحيانا للشواد , المهم أن يعودوا الى البيت/الخرابة , بدراهم ولو معدودة .
فيرضى عنهم آباؤهم المدمنون المتقاعسون الذين كانت بداية حياتهم تماما مثل بداية حياة أطفالهم الآن . فلتأت إذن المنظمات الدولية والجمعيات المحلية المدافعة عن حق الطفل لترى وتصور وتنقل التقارير المختومة عن أطفال المغرب العميق , لكي تقبض الثمن̨ وتعيش أطفالها عيشا كريما يتعلمون في المدارس الفرنسية وينامون في ريش النعام ∙ كثيرا ما يتردد على لسان المسؤولين : « وليدات المغرب ! » يشعر أن هؤلاء الوليدات المقصودين هم أولادهم̨ أولاد رأس الهرم أما القابعين تحت الهرم فلا وطن لهم ولا وطنية رغم أن اجدادهم مجاهدون , دفعوا حيواتهم مع شهداء المقاومة , والبندقية المهملة من طرف ورثتها خير دليل . إلا أن الدولة لا تعترف بالدم ولا بالشهادة , لقد منحت بطائق الجهاد والمقاومة وجيش التحرير لأناس لا علاقة لهم بتحرير الأرض ولا يحب الوطن ∙ بدأ المطر يغزر ويختلط ماء السماء النقي بماء المجاري العفن , فتنظف قليلا الشوارع , وتنقص منها الروائح الكريهة . خطى بخطى واسعة متفاديا الحفر ∙ دفع الباب الخشبي المنخور . سمع صوت أمه وهي تحتج على عودته المبكرة داعية عليه بآخر ما يمكن الدعوة به من مصائب ألا وهي الموت . لم يرد عليها كعادته. .دلف عازما مصمما نحو البندقية التي قتل بها جده عددا كبيرا من الإسبان . تناولها وفي لحظة خاطفة أفرغ محتواها في صدغه . وتهاوى على الأرض مثل لوح خشبي . دوى صوت الرصاصة ودوى في نفس الوقت صوت البرق في الماء . عاش متأسفا ومات بلا أسف! .
فاطمة الزياني / بني حذيفة
المرجو عدم تضمين تعليقاتكم بعبارات تسيء للأشخاص أو المقدسات أو مهاجمة الأديان و تحدف كل التعليقات التي تحتوي على عبارات أو شتائم مخلة بالأداب....

