ثمانينات المغرب التي لا تنسى
دليل
الريف : فؤاد الحاجي*
تقصد سنوات الثمانينات؟ لا، لا يمكن لي نسيان الآلام التي تعتصر
قلبي. الآلام التي تذكرني كل يوم بتلك السنوات المريرة. لا أدري إن كان من الأنسب
أن أستحضرها مجددا.. آخ، الأفضل نسيانها.
أين كانت الحواجز مبثوثة؟ في كل مكان. في ذلك الزمن، كان لكل بلد حدودا يحرسها
بغيرة. فإذا ذهبت إلى بلجيكا مثلا، كان يتوجب عليك تجاوز الحدود والوقوف عندها.
وإذا عزمت دخول فرنسا، فما عليك إلا التزود بسبب وجيه.
آه، أنت تقصد ذلك النوع الآخر من الحدود؟ حدود العنف ضد الإنسان، ضد البيئة
والحيوان. فليكن. أنا قضيت جزءا من سنوات الثمانينات في المغرب، حيث كانت قوات
الشرطة والأمن، لا ترى حرجا من الهجوم على المدارس الابتدائية ومطاردة المراهقين
على مدى أيام. مدرستي القريبة من مدينة إمزورن عانت الكثير وتكبدت الأكثر. كانت
المدرسة تعد مرتع الأفكار اليسارية، أو هكذا قيل. شاهدت بأم عيني كيف تعرض أخي
للتعذيب. كان في الرابعة عشرة من عمره، وبما أنه يتغيب عن المدرسة باستمرار، اتهم
بأنه يثير الشغب. أعتقد أن أخي بمقدوره فعل الكثير، أما أن يكون من مثيري الشغب
فلا.
شاهدت أيضا إحدى الأمهات اليائسات، وهي تهيم على وجهها باحثة عن ابنها الذي طورد
منذ أيام من طرف قوات الأمن. عثرت عليه أخيرا سالما مختبئا تحت كومة تبن. حكاية
الخالة ’روازنة‘ أضحت لحنا حزينا يتناقله كل لسان، مذكرا الجميع بما جرى.
شخصيا، لم أكن آنذاك في حاجة إلى الفرار نافذا بجلدي، لأن والدي اختار الطريق
الآمنة بنقلنا إلى هولندا؛ الطريق التي سيسلكها الكثيرون مباشرة بعد تلك الأحداث.
أعرف الكثيرين اضطروا فعلا للفرار خوفا على حياتهم. البعض منهم تمكن بأعجوبة من
الإفلات من مخالب رجال الأمن وقوات مكافحة الشغب، والبعض الآخر قضى سنوات في السجن،
في فاس، تازة، زايو.
في مدينة الناظور دفنت مجموعة من الطلبة في مقبرة جماعية بعمق ستة عشرة مترا، حتى
لا يعثر عليهم أبدا، بلا أسماء، ولا قوائم ولا ملفات. "لا يا سيدتي، ابنك ليس في
القائمة"! كان هذا هو الجواب على كل سؤال.
ولكن مدينة الناظور تتطلع نحو المستقبل، وتريد تشييد سكة حديد. ولك أن تتخيل البقية
بسهولة. ففي أبريل نيسان 2008 ظهرت الحقيقة عارية. اكتشف الحفارون مقبرة جماعية،
بالضبط حينما أخذ الجميع يفكر: الأمور بدأت تتحسن، فلننس تلك السنوات! العفو هو في
الواقع خيار. فأنت تختار إما أن تصفح وتعفو. أما النسيان فمن طبيعة أخرى. النسيان
حالة مستقلة بذاتها. فأنت لا تملك حرية في الاختيار أن تعفو أو لا تعفو.
خلال الشهر الماضي، ونحن الآن في شهر يناير، انتشلت جثث الضحايا بعد 25 سنة وأعيد
دفنهم. نتذكرهم جميعا ولا ننساهم. بل لا ينبغي نسيانهم أبدا.
(*) عضو مجلس بلدية روتردام عن حزب العمل
27.01.2010. 02:48
أضف تعليق
هام : المرجو عدم تضمين تعليقاتكم بعبارات تسيء للأشخاص أو المقدسات أو مهاجمة الأديان و تحدف كل التعليقات التي تحتوي على عبارات أو شتائم مخلة بالأداب....
التعليقات تعبر عن رأي أصحابها ، ولا تخص إدارة شبكة دليل الريف
اضغط هنـا للكتابة بالعربية
شروط نشر التعاليق بشبكة دليل الريف
للاستفسار حول ردودكم وتعاليقكم يرجى مراسلتنا على البريد الالكتروني التالي
dalilrif@gmail.com
* = حقل مطلوب